ابن قتيبة الدينوري
86
تأويل مشكل القرآن
وتقول : كان هذا الفعل منك في وقت كذا وكذا والفعل لم يكن وإنما كوّن . وتقول : كان اللّه . وكان بمعنى حدث ، واللّه ، جل وعزّ : قبل كل شيء بلا غاية ، لم يحدث : فيكون بعد أن لم يكن . واللّه تعالى يقول : فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ [ محمد : 21 ] وإنما يعزم عليه . ويقول تعالى : فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ [ البقرة : 16 ] وإنما يربح فيها . ويقول : وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ [ يوسف : 18 ] وإنما كذّب به . ولو قلنا للمنكر لقوله : جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ [ الكهف : 77 ] كيف كنت أنت قائلا في جدار رأيته على شفا انهيار : رأيت جدارا ما ذا ؟ لم يجد بدّا من أن يقول : جدارا يهمّ أن ينقضّ ، أو يكاد أن ينقضّ ، أو يقارب أن ينقضّ . وأيّا ما قال فقد جعله فاعلا ، ولا أحسبه يصل إلى هذا المعنى في شيء من لغات العجم ، إلا بمثل هذه الألفاظ . وأنشدني السّجستاني « 1 » عن أبي عبيدة « 2 » في مثل قول اللّه : يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ « 3 » : يريد الرّمح صدر أبي براء * ويرغب عن دماء بني عقيل وأنشد الفرّاء « 4 » : إنّ دهرا يلفّ شملي بجمل * لزمان يهمّ بالإحسان والعرب تقول : بأرض فلان شجر قد صاح . أي طال ، لمّا تبيّن الشّجر للنّاظر بطوله ، ودلّ على نفسه - جعله كأنه صائح : لأن الصائح يدلّ على نفسه بصوته .
--> ( 1 ) السجستاني : هو أبو حاتم السجستاني ، تقدمت ترجمته . ( 2 ) أبو عبيدة : هو الحافظ أبو عبيدة معمر بن المثنى التميمي البصري المنشأ ، بغدادي الدار والوفاة ، الفقيه اللغوي الأخباري ، ولد سنة 110 ه ، وتوفي سنة 203 ه ، تقدمت ترجمته الوافية ، مع ذكر مؤلفاته . ( 3 ) البيت من الوافر ، وهو بلا نسبة في لسان العرب ( رود ) ، وكتاب الصناعتين ص 212 ، وتفسير الطبري 16 / 186 ، ومجاز القرآن 1 / 410 . ( 4 ) يروى صدر البيت بلفظ : إن دهرا يلفّ حبلي بجمل والبيت من الخفيف ، وهو لحسان بن ثابت في أساس البلاغة ( لفف ) ، وليس في ديوانه ، وبلا نسبة في لسان العرب ( دهر ) ، وتهذيب اللغة 6 / 192 ، وديوان الأدب 1 / 107 ، وتاج العروس ( دهر ) .